قصة يوسف عليه السلام الجزء الثالث

قصة يوسف عليه السلام


تحدثنا في الجزء السابق عن طفولة سيدنا يوسف عليه السلام وذكرنا كيف رأى فى المنام 
احد عشر كوكباً ولم يرد سيدنا يعقوب ليوسف ان يخبر اخوته ...نتابع الان المشهد الأول من الفصل الثاني في حياته: 
قصة  يوسف عليه السلام

في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف الثانية،


وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى.


جاءته وقد أوتي صحة الحكم وأوتي 


العلمرحمة من الله ليواجهها وينجو منها جزاء 

إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه.


يذكر الله تعالى هذه المحنة في كتابه الكريم:- 

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ


وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ


إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا


لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ


وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}


[يوسف/24]

لا يذكر السياق. القرآني شيئا عن سنها وسنه،


فلننظر .في ذلك من باب التقدير.


لقد أحضر. يوسف صبيا من البئر، 


كانت هي زوج.ة في الثلاثة والعشرين مثلا،


وكان هو. في الثانية عشرا.


بعد ثلاثة عشر عاما صارت


هي في السادسة .والثلاثين


ووصل عمره إلى .الخامسة والعشرين.


أغلب الظن أن. الأمر كذلك.


إن تصرف المرأة في .الحادثة وما بعدها 


يشير إلى أنها مكتملة جريئة. 

والآن، لنتدبر معنا في .كلمات هذه الآيات. 

{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ
 هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}


قالت لن تفر مني هذه المرة.


هذا يعني أنه كانت هناك 


مرات سابقة ..


مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها 


بهذه الصراحة. وهذا التعري.


فيبدوا أن امرأة العزيز ملت من


تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة ورفضه .


فقررت أن تغير خطتها. 


خرجت من التلميح إلى التصريح...


أغلقت الأبواب 


ومزقت أقنعة الحياء وصرحت .بحبها وطالبته بنفسه. 

ثم يتجاوز السياق القرآني. الحوار الذي دار بين امرأة 


عزيز مصر ويوسف عليه السلام،


ولنا أن نتصور كيف حاولت 


إغراءه إما بلباسها أو كلماتها أو حركاتها.


لكن ما يهمنا هنا 


هو موقف يوسف عليه السلام من هذا الإغراء. 

يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا


{قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ


مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}


أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة


من أكرمني بأن نجاني من الجب 


وجعل في هذه الدار. مثواي الطيب الآمن.


ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله،


فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه. 

ثم {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}


اتفق المفسرون حول همها بالمعصية،


واختلفوا حول همه.


فمنهم من أخذ بالإسرائيليات وذكر أن يعقوب

ظهر له، أو جبريل نزل إليه،


لكن التلفيق والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات 


الإسرائيلية, ومن قائل: إنها همت به تقصد المعصية


وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل،


ومن قائل: إنها همت به لتقبله, وهمَ بها ليضربها،


ومن قائل:- إن هذا الهم كان بينهما قبل 


الحادث, كان حركة نفسية داخل نفس يوسف في السن


التي اجتاز فيها فترة المراهقة, ثم صرف الله عنه.


وأفضل تفسير تطمئن, إليه نفسي 


أن هناك تقديما, وتأخيرا في الآية. 

قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة،


فلما أتيت على قوله تعالى:- {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}.


قال أبو عبيدة:


هذا على التقديم والتأخير, بمعنى ولقد همت به...


ولولا أن رأى, برهان ربه لهم بها.


يستقيم هذا التفسير, مع عصمة الأنبياء...


كما يستقيم مع روح الآيات, التي تلحقه مباشرة 


{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء


إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}


وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد الله 


المخلصين،


تقطع في نفس الوقت, بنجاته من سلطان 


الشيطان. قال تعالى لإبليس يوم الخلق


{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}


وما دام يوسف من عباده المخلصين,


فقد وضح الأمر بالنسبة إليه.


لا يعني هذا أن يوسف كان يخلو 


من مشاعر الرجولة،


ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة 


وعدم احتفالهم بالحس.


إنما يعني أنه تعرض, لإغواء طويل 


قاومه فلم تكله نفسه يوما،


ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه،


عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي،


ابن إسحق النبي،


ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن. 

يبدو أن يوسف عليه السلام آثر الانصراف


متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر.


لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه،


تدفهعا الشهوة لذلك, فأمسكت قميصه من الخلف،


فتمزق في يدها,وهنا تقطع المفاجأة.


فتح الباب زوجها.العزيز, وهنا تتبدى

المرأة المكتملة،

فتجد الجواب حاضرا على السؤال


البديهي الذي يطرح, الموقف.


فتقول متهمة الفتى:, قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ


بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 

واقترحت هذه المراة العاشقةسريعا العقاب

المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف،


خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه.


بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. 


بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف


بالحقيقة ليدافع عن نفسه: قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي 

تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة 


يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة: 

وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ

فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ

قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ

(27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ 


إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف) 

لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية،


أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة ليأخذ برأيه..


كما أشارت بعض 


الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير،


بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع.


كل هذا جائز.


وهو لا يغير من الأمر شيئا.


ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر 


للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر


مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة


وهو كاذب.وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو


إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب،


فهي كاذبة وهو صادق. 

{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ


مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}


[يوسف/28] 

فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى


قميص يوسف ممزق, من الخلف. 


لكن الدم لم يثر في ,عروقه ولم يصرخ ولم يغضب.


فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي


وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف..


نسب ما فعلته إلى, كيد النساء عموما.


وصرح بأن كيد, النساء عموم عظيم. 


وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء يساق.


ولا نحسب أنه 


يسوء المرأة أن يقال لها: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}.


فهو دلالة على 


أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد.


بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له:


{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا}


أهمل هذا الموضوع. ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به.


هذا هو المهم,المحافظة على الظواهرثم يوجه 

عظة مختصرة

للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها


عن نفسها وتمزيق قميصه:


{وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}. 

انتهى الحادث الأول لكن الفتنة لم تنته...


فلم يفصل سيد البيت ,بين المرأة وفتاها....


كل ما طلبه هو إغلاق ,الحديث في هذا الموضوع


غير أن هذا الموضوع بالذات.


وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ


بالخدم والخادمات, والمستشارين والوصيفات. 


بدأ الموضوع ينتشر ,خرج من القصر إلى قصور


الطبقة الراقية يومها.. ووجدت فيه نساء, هذه الطبقة


مادة شهية للحديث. 


إن خلو حياة هذه الطبقات من المعنى،


وانصرافها إلى اللهو،


يخلعان أهمية قصوى على الفضائح


التي ترتبط بشخصيات شهيرة.. وزاد حديث المدينة


{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا 


عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}


وانتقل الخبر من شخص إلى آخر من 


منزل إلى منزل. حتى وصل لامرأة العزيز. 


{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ


وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا


وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ


أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا 


إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي


فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ


يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}


[يوسف/32] 

عندما سمعت امرأة العزيز. بما تتناقله نساء الطبقة

العليا عنها،

قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر.


وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات.


واختارت ألوان الطعام 


والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة

إلى جوار الطعام المقدم.

ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها.


وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة،


فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا 

{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}بهتن لطلعته،


ودهشن.{وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}


وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة.


{وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ}


وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا


عن الدهشة بصنع الله..


{مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} 


يتضح من هذه التعبيرات, أن شيئا من ديانات التوحيد 


تسربت لأهل ,ذلك الزمان.

ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها،


وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب 

والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة،


التي لا تستحي أمام النساء من .بنات جنسها وطبقتها،


والتي تفتخر عليهن بأن. هذا متناول يدها؛ 


وإن كان قد استعصم في المرة. الأولى فهي ستحاول


المرة تلو الأخرى إلى أن يلين: انظرن ماذا لقيتن


منه من البهر والدهش. والإعجاب!


لقد بهرني مثلكن فراودته عن. نفسه لكنه استعصم،


وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه. 

إنها لم ترى بأسا من الجهر


بنزواتها الأنثوية أما نساء طبقتها.


فقالتها بكل. إصرار وتبجح،


قالتها مبيّنة أن الإغراء .الجديد تحت التهديد. 

واندفع النسوة كلهم إليه. يراودنه عن نفسه..


كل منهن أرادته لنفسها..... ويدلنا على ذلك أمران.


الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام


{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}


فلم يقل{ما تدعوني إليه}.... والأمر الآخر هو سؤال 

الملك لهم فيما بعد{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ}...

هناك تعليق واحد:

شكرا اخي الكريم وان شاء الله .. قريبا

يتم التشغيل بواسطة Blogger.